إلى روح الفقيد الغالي رفيق الدرب محمد حسن زيد (أبو مهدي).. تغمده الله بواسع رحمته، وأسكنه فسيح جناته.
رحيل الأطهار..
تَرَجَّلَ اليومَ فارسٌ مِنْ الرَعِيلِ الأَوَّلِ للعاملين ، وَرَفِيقُ هِجْرَةٍ وَعَمَلٍ رِسَالِيٍّ امْتَدَّ عُقُوداً مِنَ الْبَذْلِ وَ العطاء بصَّمْتِ جَمِيلِ.
إِنَّهُ المَرْحُومُ مُحَمَّدُ حَسَنِ زَيْدٍ (أَبُو مَهْدِيٍّ)، ابْنُ قَرْيَةِ "بَنِي جَمْرَةَ" الوَفِيَّةِ، الَّتِي رَوَتْ أَرْضَ الطُّهْرِ طُفُولَتَهُ، وَتَفَتَّحَتْ فِيهَا مَدَارِكُهُ بَيْنَ مَدَارِسِ الْبَحْرَيْنِ، قَبْلَ أَنْ تَحْمِلَهُ طُمُوحَاتُ الشَّبَابِ إِلَى رِحَابِ جَامِعَةِ الْقَاهِرَةِ فِي مِصْرَ ليدرس هناك ، و لِيَعُودَ مُحَمَّدٌ بِمِدَادِ الْعِلْمِ وَالْفِكْرِ وَالِالْتِزَامِ..
لَقَدِ الْتَحَقَ الْفَقِيدُ الرَّاحِلُ بِالْعَمَلِ الرِّسَالِيِّ لِيُسَاهِمَ بِعَطَائِهِ وَعَمَلِهِ، وَلِيَكُونَ مِنْ أَوَّلِ الْمُهَاجِرِينَ لِلْعَمَلِ مِنْ أَجْلِ الرِّسَالَةِ.
مَسِيرَةٌ رِسَالِيَّةٌ عُنْوَانُهَا الْبَذْلُ:
لَقَدْ كَانَ "أَبُو مَهْدِيٍّ" بِحَقٍّ مِنَ الرَّعِيلِ الْأَوَّلِ لِلرِّسَالِيِّينَ الْعَامِلِينَ بِصَمْتٍ وَإِخْلَاصٍ، مِمَّنْ جَعَلُوا مِنْ خِدْمَةِ المُجْتَمَعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ أَجْلِ رِضَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ دَيْدَناً لَا يُحِيطُ بِهِ التَّعَبُ. اتَّسَمَتْ شَخْصِيَّتُهُ بِمَزِيجٍ نَادِرٍ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْعَالِيَةِ، وَالثَّقَافَةِ الرِّسَالِيَّةِ الوَاعِيَةِ، وَالرُّوحِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الْعَالِيَةِ الَّتِي غَمَرَتِ الْجَمِيعَ. وَلَمْ تَكُنْ سَنَوَاتُ الْهِجْرَةِ الطَّوِيلَةُ، الَّتِي تَجَاوَزَتِ الْأَرْبَعِينَ عَاماً، لِتُبْعِدَهُ عَنْ جُذُورِهِ؛ بَلْ ظَلَّ نَبْضُهُ مُعَلَّقاً بِأَهْلِهِ وَقَرْيَتِهِ، حَاضِراً فِي أَتْرَاحِهِمْ يُعَزِّي، وَفِي أَفْرَاحِهِمْ يُبَارِكُ، يُتَابِعُ أَحْوَالَ الْعَوَائِلِ كَأَنَّمَا لَمْ يَبْرَحِ الْمَكَانَ قَطُّ.
رَجُلُ الْعَلَاقَاتِ وَالْمَوَاقِفِ الْإِنْسَانِيَّةِ:
لَقَدْ بَرَعَ الْفَقِيدُ فِي بِنَاءِ شَبَكَةٍ وَاسِعَةٍ مِنَ الْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ الصَّادِقَةِ طِوَالَ رِحْلَةِ اغْتِرَابِهِ الْمُفْعَمَةِ بِالْعَطَاءِ فِي شَتَّى الْمَيْادينِ. كَانَ طِرَازاً فَرِيداً فِي التَّوَاضُعِ وَالْبَسَاطَةِ، لَا تُغَيِّرُهُ الْمَرَاتِبُ وَلَا تُبَدِّلُهُ الْأَيَّامُ؛ مُتَوَاضِعاً فِي حياته ، بَسِيطاً فِي شخصيته ، عَظِيماً فِي أَثَرِهِ. وَ لقد حَفَرَ اسْمَهُ فِي الذَّاكِرَةِ الْحُسَيْنِيَّةِ وَالْإِنْسَانِيَّةِ بِكَوْنِهِ أَحَدَ المُؤَسِّسِينَ الْأَوَّلِينَ لِفِكْرَةِ إِحْيَاءِ يَوْمِ جُمُعَةِ الطِّفْلِ الرَّضِيعِ عَلَى مُسْتَوَى الْعَالَمِ، مُتَصَدِّياً لِلرِّيَادَةِ فِي هَذَا الْمِضْمَارِ الحسيني الْعَالَمِيِّ، فَضْلًا عَنْ إِسْهَامَاتِهِ الْكَبِيرَةِ فِي الْعَدِيدِ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْفَعَّالِيَّاتِ الخَيْرِيَّةِ وَالتَّبْلِيغِيَّةِ، مَدْعُوماً بِقَلَمٍ مُمَيَّزٍ خَطَّ الْعَدِيدَ مِنَ الْمَقَالَاتِ الرَّصِينَةِ فِي شُؤُونِ الْعَمَلِ الْإِسْلَامِيِّ.
خَاتِمَةُ الصَّابِرِينَ:
تَرَجَّلَ أَبُو مَهْدِيٍّ وَتَرَكَ فِي قُلُوبِ رِفَاقِ دَرْبِهِ وَأَحِبَّتِهِ غُصَّةَ الْفِرَاقِ وَأَلَمَ الرَّحِيلِ. وَكَأَنَّ الْأَقْدَارَ شَاءَتْ أَنْ يُتِمَّ وَفَاءَهُ حَتَّى آخِرِ خُطْوَةٍ؛ فَعَادَ إِلَى وَطَنِهِ لِيَشْهَدَ رَحِيلَ وَالِدَتِهِ الصَّابِرَةِ، وَيَتَحَمَّلَ بَعْدَهَا ابْتِلَاءً بِمَرَضٍ عَضَالٍ نَالَ مِنْ جَسَدِهِ الطَّاهِرِ، لَكِنَّهُ عَجَزَ تَمَاماً عَنِ النَّيْلِ مِنْ إِرَادَتِهِ وَصَلَابَتِهِ وَصَبْرِهِ. فَمَضَى صَابِراً، مُحْتَسِباً، مُجَاهِداً، لِيَلْحَقَ بِأُمِّهِ الغَالِيَةِ بَعْدَ خَمْسَةِ أَشْهُرٍ فَقَطْ مِنْ رَحِيلِهَا، وَكَأَنَّ رُوحَهُ اشْتَاقَتْ لِرُفْقَتِهَا فِي جِوَارِ الرَّحْمَنِ.
فَسَلَامٌ عَلَى رُوحِكَ الطَّاهِرَةِ يَا أَبَا مَهْدِيٍّ، يَوْمَ وُلِدْتَ، وَيَوْمَ رَحِلْتَ صَابِراً مُحْتَسِباً، وَيَوْمَ تُبْعَثُ حَيّاً.. وَحَشَرَكَ اللَّهُ مَعَ الصَّالِحِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالْأَبْرَارِ. (أبوهشام)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق